إعادة قراءة التراث...الحقوق الفكرية محفوظة!

إعادة قراءة التراث...الحقوق الفكرية محفوظة!
نبه عليه طارق الحمودي

حينما رفع مالك صوته قائلا: (كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم...كان يعلن عن واحدة من أهم قواعد منهج أهل السنة في التعامل مع المنتوج الفكري البشري فقها كان أو غيره, كان كلامه امتدادا لما عليه أئمته وسلفه إلى زمن الصحابة رضي الله عنهم... لا كلام ولا فكر يعلو على النقد إلا الوحيين.

إن المطالع لما كتبه علماؤنا مطالعة محقق متيقظ ذكي يعرف جيدا أن منهج النقد والتصحيح عند المنتسبين للمنهج الإسلامي في قراءة الوحي, لم ينقطع أبدا . وقد تعددت مظاهره, بين مراجعات ذاتية, واعتراضات وانتقادات للسابقين والمعاصرين, وكتب التراث العلمي الإسلامي زاخرة بهذا.

لقد تولت كتب الفقه والتاريخ والتراجم حكاية قصة التدافع بين التقليد والاجتهاد بكل إنصاف وحيادية, وبان بها قدرة التراث على تجديد خلاياه وتوقيتها,بل على إعادة بناء أعضائه كاملة إن اقتضى الحال ذلك...فلديه مؤهلات داخلية على التجديد تستمد مواردها من أصول ثابتة فيه.

لقد رأينا الفقهاء والمفسرين والمحدثين بل والنحاة والأصوليين يرد بعضهم على بعض استطرادا أو إفرادا, ورأينا اللاحق منهم ينتقد السابق, ويصحح القرين منهم خطأ قرينه, وطفا على السطح علم الجدل والمناظرة, إلى درجة أن كان المالكية يعقدون مجالس مناظرة في المدونة...!.

في عصرنا رفع الألباني شعار: (التصفية والتربية), والجزء الأول منه لم يكن بدعا من المناهج, فهو نفسه الذي قصده مالك من كلمته...تصفية المنتوج العلمي من كل شوائب الروايات والفهوم المردودة...لكن على أيدي أهله !

إن الذي أتعجب منه, أن ينبري بنو علمان للدعوة إلى مراجعة التراث,وكأنهم اكتشفوا أخيرا أنه يجب مراجعته, وتبعهم على ذلك مجموعة من المحسوبين على المساحة الفكرية الإسلامية.

إن دعوة بني علمان ومن تابعهم من أهل الغفلة إلى إعادة النظر في التراث تعني استهانة بمئات بل آلاف العلماء الذي تولوا هذا الأمر دون انقطاع ...وكذبا على التاريخ والأمة..زاعمين أن الماضين من العلماء الربانيين كانوا على غير هدى العقل...كبرت كلمة تخرج من أفواههم.

لا أدري إن كانت غفلة أو استغفالا...لكن المؤكد أن التراث لم ترتفع عنه أيدي النقد والتصحيح من داخله, فلديه آلية ذاتية لذلك, وقد انتبه وشهد لها كبار الباحثين الغربيين...ثم نسمع في زماننا من يزعم الحق الفكري في (تصفية) التراث...وهذا انتهاك للحق..فهو حق فكري ثابت للتراث نفسه.

ولذلك أقول لإخواني وأخواتي..انتبهوا جيدا..ولا يستغفلنكم هؤلاء...فما يدعون إليه موجود دائما ...تولى أمره كبار عقلاء الأمة من داخل التراث نفسه..فلا خوف عليه... وحقوق الفكر محفوظة...لكن بني علمان ومستغفليهم يريدون إعادة قراءة للتراث بمعنى الهدم والتبديل..لا التصحيح والتجديد...فاحذروهم وحذروا منهم.