ضرورة خضوع الفكر الأشعري للتشخيص والمعالجة (1)
كتبه طارق الحمودي
لا يشك منصف في ما قدمه بعض أئمة الفكر الأشعري الأُول وبعض المتأخرين منهم في نصر السنة وتوطيد مملكة الشريعة, وقد كان لبعضهم مجهود صادق فيه إبداع واتباع...
ولكن هذا لا يعني خلو المذهب بعد وفاة صاحبه - إن كان يقبل الانتساب إليه - من مظاهر الانحراف عن الخط الرسمي لما أسسه أبو الحسن الأشعري حينما أراد أن يدافع عن العقيدة السلفية بطريقة كلامية عقلية, فكان مذهبه مذهب توقير للأثر, وتقرير للخبر...فاستعمل البناء الكلامي للذب عنه, ورد الأذى عن جنابه, ومع الوقت انحرف الفكر, من الذب.. إلى بناء العقيدة بالآليات الكلامية, تحول المذهب الأشعري من مذهب دفع إلى مذهب رفع...من دفع الشبه إلى رفع العقيدة نفسها التي كان يذب عنها, وهذا ملحوظ عند الباحثين الجادين, والمحققين المتخصصين الذين لا زمنا بعضهم وأبداو رغبة صادقة وعملية في إصلاح المذهب الأشعري, للتوفيق بينه وبين العقيدة السلفية...العقيدة الأم.
الذي ينبغي هو التعاون في صدق على تحرير المذهب من الدخيل والشوائب, ورده إلى أصله , ويعجبني بهذه المناسبة ما فعله الزبيدي صاحب الإتحاف, وهو عالم أشعري متمكن, كتب عقيدة مختصرة, لم يخرج فيها عن منطوق حديث جبريل وإثبات الصفات لله تعالى وتنزيهه في الجملة, ولم يحشُ عقيدته بالمصطلحات الكلامية الثقيلة, حتى إذا انتهى من تصنيفها وتأليفها ولفها قال: "فهذا جملة ما يجب اعتقاده في أصول الدين,وما عدا ذلك خوض فيما لا يليق, والبحر عميق, والسفر طويل, والزاد قليل, فعليكم إخواني بدين الأعراب والعجائز".
هذا, ومما يجب على الباحثين إعمال مسابير الفحص فيه, لتقويمه أو بتره ..مسألة كلامية بحتة, من مباحث الطبيعيات عند المتكلمين,بنيت عليها كثير من المسائل والاختيارات داخل الفكر الأشعري...ومنها مسائل مشهورة ومعروفة كتأويل الصفات وتفويضها والقول بالكسب ونفي السببية... وهي ما اصطلح على تسميته عند المدرسة الأشعرية بـ(الخلق المستمر), ومعناه عندهم قائم على أن (العرض لا يبقى زمانين) على نفس الجوهر, فاللون الأحمر مثلا لا يبقى على الوردة بقاء مستمرا, بل يرتفع اللون فلا يبقى على الوردة لون, ثم يخلق الله اللون الأحمر فيها مرة أخرى, وهكذا ...يتكرر العدم ثم الخلق...كل هذا كي لا يلزم القول بالقدرة الذاتية للعرض على البقاء على جوهره.,ردا على الفلاسفة الملاحدة القائلين بالطبع, وهو أمر محمود من هذا الوجه والاعتبار, ولكنها نظرية لم تسلم من عيوب التنظير, و قد لا يبدو باطنها من ظاهرها إلا عندما يتعلق الأمر بأشكال أكثر خطورة من تعلقات العرض بالجوهر, ومن ذلك تعلق الحياة بجوهر الإنسان.
هل تبقى الحياة - وهي عرض - على جوهر الإنسان بقاء مستمرا أم أن الحياة يعقبها عدم في بدن الإنسان ثم تعود ثم ترتفع؟... أمر انتبه له ابن حزم وابن تيمية وابن القيم,فألزموهم القول بأن الإنسان يموت ويحى ويموت ويحيى آلاف المرات, فالحياة اتصال الروح بالبدن, والموت انفصالهما لا يمكن غير هذا...والله تعالى قال: [قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ] [غافر - الآية:(11)].
فإن كان لإخواننا في الله... السادة الأشاعرة حل لهذا فبها ونعمت,وهذا ما نبغيه,ونكون شاكرين لهم البيان الشافي الرافع للإشكال, وإلا فالأولى مراجعة النظرية في أصلها ولوازمها, والكف عن الترويج لها قبل التحقيق في صحتها, والاطمئنان إلى لوازمها..ويكون هذا من تمام الإنصاف والعلم والعدل.
كتبه طارق الحمودي
لا يشك منصف في ما قدمه بعض أئمة الفكر الأشعري الأُول وبعض المتأخرين منهم في نصر السنة وتوطيد مملكة الشريعة, وقد كان لبعضهم مجهود صادق فيه إبداع واتباع...
ولكن هذا لا يعني خلو المذهب بعد وفاة صاحبه - إن كان يقبل الانتساب إليه - من مظاهر الانحراف عن الخط الرسمي لما أسسه أبو الحسن الأشعري حينما أراد أن يدافع عن العقيدة السلفية بطريقة كلامية عقلية, فكان مذهبه مذهب توقير للأثر, وتقرير للخبر...فاستعمل البناء الكلامي للذب عنه, ورد الأذى عن جنابه, ومع الوقت انحرف الفكر, من الذب.. إلى بناء العقيدة بالآليات الكلامية, تحول المذهب الأشعري من مذهب دفع إلى مذهب رفع...من دفع الشبه إلى رفع العقيدة نفسها التي كان يذب عنها, وهذا ملحوظ عند الباحثين الجادين, والمحققين المتخصصين الذين لا زمنا بعضهم وأبداو رغبة صادقة وعملية في إصلاح المذهب الأشعري, للتوفيق بينه وبين العقيدة السلفية...العقيدة الأم.
الذي ينبغي هو التعاون في صدق على تحرير المذهب من الدخيل والشوائب, ورده إلى أصله , ويعجبني بهذه المناسبة ما فعله الزبيدي صاحب الإتحاف, وهو عالم أشعري متمكن, كتب عقيدة مختصرة, لم يخرج فيها عن منطوق حديث جبريل وإثبات الصفات لله تعالى وتنزيهه في الجملة, ولم يحشُ عقيدته بالمصطلحات الكلامية الثقيلة, حتى إذا انتهى من تصنيفها وتأليفها ولفها قال: "فهذا جملة ما يجب اعتقاده في أصول الدين,وما عدا ذلك خوض فيما لا يليق, والبحر عميق, والسفر طويل, والزاد قليل, فعليكم إخواني بدين الأعراب والعجائز".
هذا, ومما يجب على الباحثين إعمال مسابير الفحص فيه, لتقويمه أو بتره ..مسألة كلامية بحتة, من مباحث الطبيعيات عند المتكلمين,بنيت عليها كثير من المسائل والاختيارات داخل الفكر الأشعري...ومنها مسائل مشهورة ومعروفة كتأويل الصفات وتفويضها والقول بالكسب ونفي السببية... وهي ما اصطلح على تسميته عند المدرسة الأشعرية بـ(الخلق المستمر), ومعناه عندهم قائم على أن (العرض لا يبقى زمانين) على نفس الجوهر, فاللون الأحمر مثلا لا يبقى على الوردة بقاء مستمرا, بل يرتفع اللون فلا يبقى على الوردة لون, ثم يخلق الله اللون الأحمر فيها مرة أخرى, وهكذا ...يتكرر العدم ثم الخلق...كل هذا كي لا يلزم القول بالقدرة الذاتية للعرض على البقاء على جوهره.,ردا على الفلاسفة الملاحدة القائلين بالطبع, وهو أمر محمود من هذا الوجه والاعتبار, ولكنها نظرية لم تسلم من عيوب التنظير, و قد لا يبدو باطنها من ظاهرها إلا عندما يتعلق الأمر بأشكال أكثر خطورة من تعلقات العرض بالجوهر, ومن ذلك تعلق الحياة بجوهر الإنسان.
هل تبقى الحياة - وهي عرض - على جوهر الإنسان بقاء مستمرا أم أن الحياة يعقبها عدم في بدن الإنسان ثم تعود ثم ترتفع؟... أمر انتبه له ابن حزم وابن تيمية وابن القيم,فألزموهم القول بأن الإنسان يموت ويحى ويموت ويحيى آلاف المرات, فالحياة اتصال الروح بالبدن, والموت انفصالهما لا يمكن غير هذا...والله تعالى قال: [قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ] [غافر - الآية:(11)].
فإن كان لإخواننا في الله... السادة الأشاعرة حل لهذا فبها ونعمت,وهذا ما نبغيه,ونكون شاكرين لهم البيان الشافي الرافع للإشكال, وإلا فالأولى مراجعة النظرية في أصلها ولوازمها, والكف عن الترويج لها قبل التحقيق في صحتها, والاطمئنان إلى لوازمها..ويكون هذا من تمام الإنصاف والعلم والعدل.