رسالة إلى أهل الثغر...ومشروع الأشعري

رسالة إلى أهل الثغر...ومشروع الأشعري
كتبه طارق الحمودي

لعل أبرز كتاب أبان فيه أبو الحسن عن حقيقة مشروعه الكلامي هو كتاب (رسالة إلى أهل الثغر), فقد بدت ملامح التوفيق بين التأسيس على النصوص والبناء الحجاجي واضحة فيه, وعليه ينبغي العمل, فهو جامع لطريقتيه في الإيانة عن أصول الديانة واستحسان الخوض في علم الكلام , وهو ما ينبغي الاهتمام به , ومحاولة استنباط معالم مشروع أبي الحسن منه ومما يشابهه.
يحزنني أن أرى أن غالب من ينتصر للفكر الأشعري يصر على إبقاء ما كان على ما كان..إلى غير إعلام لاحق...وليس هذا من النبل في شيء, فالعقلاء من الباحثين لا يفتأون يحثون الدارسين على فهم مشروع أبي الحسن الكلامي, ويدعون إلى إعادة الألفة بين النصوص والحجاج, لأنها هي نفسها الطريقة السلفية, التأسيس على النصوص و واستعمال الحجاج الكلامي الصادق المستمد من الكتاب والسنة في الرد على الخصوم, وهي طريقة أحمد بن حنبل, وهو مقصود أبي الحسن من انتسابه إليه.
لقد استعمل الإمام أحمد في رده على الجهمية صنوفا من الحجاج الكلامي العقلي القرآني, وكان بذلك ربما أصلا لأبي الحسن رحمه الله, في استعمال الحجاج للذب عن العقائد القرآنية والنبوية.
وقد نبه ابن تيمية إلى هذا فقال في درء تعارض العقل والنقل :
"والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت صحيحة".

وقال قبل ذلك: "وأحمد أشهر وأكثر كلاما في أصول الدين بالأدلة القطعية, نقلها وعقلها من سائر الأئمة, لأنه ابتلي بمخالفي السنة, فاحتاج إلى ذلك, والموجود في كلامه من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة"
هذا خلاف ما يزعمه بعض أتباع الفكر الأشعري من أن الطريقة السلفية طريقة نصية بحتة, والقارئ لكتاب "الرد على الجهمية والزنادقة" يفهم ما أقصده.
وعودا على بدء, فكتاب رسالة إلى أهل الثغر من الكتب التي تظهر فيها غالب ملامح المشروع الكلامي عند الأشعري في الصورة التوفيقية التي أرادها , ولعل أحسن من عبر على هذا الأستاذ الدكتور جمال البختي وفقه الله في مقاله في مجلة الإبانة :
"أما ما يقترحه ويعتمده الأشعري في منهجه الاستدلالي, وما يرى أنه منهج السلف, فهو المنهج الذي ينطلق من [الوحيٍ] وما تضمنه من [أصول عقدية وجدلية]"..فتأمل.

تجديد علم الكلام يعني مراجعة اصطلاحاته, ومفاهيمه ومعلوماته الطبيعية, بغير هذا, سيكون ما يفعله بعض الناس من مدح للأشعرية بقصد الإبقاء على الموجود كدفن الحي تحت التراب.
لا يفهمن أحد أنني أطعن في أحد, فكثير من ضعافي النفوس من أهل التعصب قد يبادر إلى.... المفرقعات النميمية ...إنما قصدي أن توجه الطاقات إلى التجديد والإصلاح, عوض الإصرار على التقليد والتعصب.
أرى والله أعلم أن الالتفاف حول هذا مما يعين على تحقيق الأمن الفكري والمصالحة بين المتخاصمين, نتفق جميعا على ضرورة إعادة النظر في الفكر الأشعري على طريقة التجديد والإصلاح.
ولذلك فمن مقترحاتي أن تقام ندوات مثل :"تجديد الخطاب الكلامي الأشعري...المقاصد والآليات"...ولا يستدعى له إلا أهل الخبرة في الشأن بشرط..الموضوعية والصدق.
ومن أراد معرفة المقاصد الكبرى لمشروعية المشروع الكلامي ومعالمه عند الأشعري فلينظر مقال الأستاذ الدكتور جمال البختي في مجلة "الإبانة" ص17 إلى 71.